المامقاني

332

غاية الآمال ( ط . ق )

التذكرة من بيع التلجئة ولا ريب في كونه ( حينئذ ) كالفضولي ثم قال ( رحمه الله ) فالمتجه بناء البحث على ذلك فالمكره القاصد للفظ ومدلوله على نحو سائر أفعال العقلاء كالمكره على الأكل والشرب ونحوهما حكمه حكم الفضولي والمكره الذي قد جرد نفسه عن قصد العقد بما يتلفظ به على وجه لم يصدر منه الا اللفظ الصّرف باطل وان تعقبه الرضا بعد ذلك لفوات القصد ولعلّ إطلاق الأصحاب الصّحة في المكره مبنى على غلبة كونه بالمعنى الأوّل ضرورة عدم منافاة الإكراه لذلك انتهى ومما ذكرنا تعرف غرابة ما ذكره الشهيد ( رحمه الله ) في ( الدروس ) حيث قال بعد اشتراط الاختيار في المتعاقدين ما لفظه فعقد المكره باطل الا ان يرضى بعد الإكراه والأقرب ان الرضا كاف فيمن قصد إلى اللفظ دون مدلوله فلو اكره حتى ارتفع قصده لم يؤثر الرضا كالسكران انتهى ومثله ما أفاده الشهيد الثاني ( رحمه الله ) في الروضة في توجيه صحة عقد المكره ان رضى به بعد زوال إكراهه بقوله لأنه بالغ رشيد قاصد إلى اللفظ دون مدلوله وانما منع عدم الرّضا فإذا زال المانع أثر العقد كعقد الفضولي حيث انتفى القصد إليه من مالكه مع تحقق القصد إلى اللفظ في الجملة فلما ألحقته إجازة المالك أثرت ولا يعتبر مقارنته للعقد للأصل بخلاف العقد المسلوب بالأصل كعبارة الصّبي فلا يجيره إجازة الولي ولا رضاه بعد بلوغه انتهى وذلك لان اللفظ الخالي من القصد لا يكون عقدا فكيف جعلاه منه مضافا إلى أن اللفظ الخالي عن المعنى غير قابل للرضا به ولحوق الإمضاء له غير معقول ومفروضهما انّما هو قصد المكره إلى اللفظ دون المعنى فتدبر مضافا إلى ما أورده في جامع المقاصد على الأول بعد ذكره بقوله وليس لهذا معنى محصّل فإن الإكراه لا يبلغ مرتبة يصير به في اللفظ كالسكران إذ ليس هو من الأفعال التي يحدثها المكره على سبيل الإلجاء كما لو وجر الطعام في فيه أو أخذ يده فوضع فيها سكينا ثم قبضها بيده وقطع بالسّكين شيئا فإنه لا فعل له ( حينئذ ) امّا الإكراه على اللفظ فلا يكون الا على وجه واحد والفرق ان حركات اللسان التي يتحقق النطق بها غير مقدورة والفرق بينه وبين السّكران ظاهر فإنه لا أهلية له أصلا لانتفاء حضور عقله بخلاف المكره فإن أهليته بحالها وانما المانع عدم رضاه انتهى ولكن الإنصاف ان هذا الإيراد غير متجه لان ارتفاع قصده إلى اللفظ بالإكراه لا ينحصر فيما كان من قبيل ما لو وجر في حلقه الطعام حتى يكون من قبيل فعل الغير حتى يقال إن مثل ذلك في التلفظ غير معقول بل قد يقترن الإكراه بالضّرب والإيلام والمنع من الطعام والشراب والنوم وتلقينه اللفظ في مثل تلك الحالة فيتلفظ به غير قاصد إليه كالسكران ومثل ذلك ليس شيئا منكرا ولا أمرا عزيزا هذا وقد علم من جميع ما ذكرنا ان قصد المعنى من اللفظ غير الرّضا به وان ما يجوز ان يتأخر عن العقد ويقترن به انما هو الثاني دون الأوّل فإنه لا بد من اقترانه بالعقد ثم إن من جملة ما يؤيد ما بنى عليه ( المصنف ) ( رحمه الله ) من كون مرادهم بالإكراه انتفاء طيب النفس لا عدم قصد المعنى من اللفظ انّهم قيدوا المكره بكون إكراهه بغير حق وحكموا بصحة عقد من اكره بحق فان هذا لا يتم مع قصد اللفظ بدون المعنى ضرورة ان لا أثر له بدونه قوله مضافا إلى الأخبار الواردة في طلاق المكره منها ما رواه زرارة عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال سألته عن طلاق المكره وعتقه فقال ليس طلاقه بطلاق ولا عتقه بعتق فقلت إني وجل تاجر أمرّ بالعشار ومعي مال فقال غيبه ما استطعت وضعه مواضعه فقلت فإن حلفني بالطلاق والعتاق فقال احلف له ثم أخذ تمرة فحفر بها من زبد كان قدامه فقال ما أبالي حلفت لهم بالطلاق والعتاق أو أكلها ومنها ما رواه عبد اللَّه بن سنان عن أبي عبد اللَّه ( عليه السلام ) قال سمعته يقول لو أن رجلا مسلما مر بقوم ليسوا بسلطان فقهروه حتى يتخوّف على نفسه ان يعتق أو يطلق ففعل لم يكن عليه شيء ومنها ما رواه يحيى بن عبد اللَّه عن أبي عبد اللَّه ( عليه السلام ) قال سمعته يقول لا يجوز طلاق في استكراه ولا تجوز يمين في قطعية رحم إلى أن قال وانما الطلاق ما أريد به الطلاق من غير استكراه ولا إضرار الحديث قوله بل يظهر ذلك من بعض كلمات العلامة ( رحمه الله ) لعله إشارة إلى ما سيحكيه ( المصنف ) ( رحمه الله ) من الفرع عن التحرير ويحتمل كونه إشارة إلى ما استشهد به صاحب الجواهر ( رحمه الله ) عن عبارة التذكرة المشتملة على حكم البيع التلجئة ولكن الإنصاف ان تلك العبارة لا يظهر منها عدم القصد إلى المعنى وذلك لأنه ( رحمه الله ) قال الاختيار شرط في المتعاقدين فلا يصحّ بيع المكره ولا شرائه لقوله ( تعالى ) : « إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ » وفي معنى الإكراه بيع التلجئة وهو ان يخاف ان يأخذ الظالم ملكه فيواطئ رجلا على إظهار شرائه منه ولا يريد بيعا حقيقيا ذهب إليه علماؤنا اجمع وبه قال احمد وأبو يوسف ومحمّد لأنهما لم يقصدا البيع وكانا كالهازلين وقال أبو حنيفة والشافعي يصحّ بيع التلجئة لأنه تم بأركانه وشروطه خاليا عن مقارنة مفسد فصحّ كما لو اتفقا على شرط فاسد ثم عقدا بغير شرط ونمنع المقدمات وكذا القصد شرط في البيع إجماعا انتهى وذلك لأنه يحتمل أن يكون المراد بقوله ولا يريد بيعا حقيقيا انه لا يريد وقوع المفهوم في الخارج لعدم طيب نفسه به حتى صار كالكذب في الاخبار وكذا المراد بقوله لأنهما لم يقصدا البيع وتشبيههما بالهازل يقتضي قصدهما إلى المعنى كما في الهازل بل نقول إن الظاهر من العبارة ان بيع المكره ليس خاليا عن القصد لأنه استدل على بطلانه بانتفاء الرّضا لا بانتفاء القصد إلى مفهوم اللفظ ولأنه صرّح باشتراط القصد في ذيل كلامه مستقلا وذلك دليل على المغايرة ولأنه ذكر ان أبا حنيفة والشافعي يصححان بيع المتلجئة ولو كان مما لا قصد فيه إلى مفهوم اللفظ أصلا لم يكن وجه لحكمهما بصحته قوله وليس مرادهم ( انتهى ) لا يخفى بعد التوجيه قوله وانه لا طلاق الَّا مع إرادة الطلاق عطف على طلاق المكره يعنى استدلالهم بالأخبار الواردة في أنه لإطلاق إلا مع إرادة الطلاق وقد عقد في الوسائل لهذه الاخبار بابا مفردا عن باب عدم صحة طلاق المكره وعنونه بأنه يشترط في صحة الطلاق القصد وإرادة الطلاق والا لبطل وذكر منها رواية زرارة عن أبي عبد اللَّه ( عليه السلام ) قال لا طلاق الا ما أريد به الطلاق ورواية اليسع قال سمعت أبا جعفر ( عليه السلام ) يقول في حديث ولو أن رجلا طلق على سنة وعلى طهر من غير جماع واشهد ولم ينو الطلاق لم يكن طلاقه طلاقا قوله وفيما ورد فيمن طلق مداراة إشارة إلى ما رواه منصور بن يونس قال سالت العبد الصالح ( عليه السلام ) وهو بالعريض فقلت له جعلت فداك إني تزوجت امرأة وكانت تحبني فتزوجت عليها أنبه خالي وقد كان لي من المرأة ولد فرجعت إلى بغداد فطلقتها واحدة ثم راجعتها ثم طلقتها الثانية ثم راجعتها ثم خرجت من عندها أريد سفري هذا حتى إذا كنت بالكوفة أردت النظر إلى أنبه خالي فقالت أختي وخالتي لا تنظر إليها واللَّه أبدا حتى تطلق فلإنه فقلت ويحكم واللَّه مالي إلى طلاقها من سبيل فقال لي هو ما شأنك ليس لك إلى طلاقها من سبيل فقلت انه كانت لي منها أنبه وكانت ببغداد وكانت هذه بالكوفة وخرجت من عندها قبل ذلك بأربع